الشيخ محمد رشيد رضا
395
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومعنى الجملة ما تركنا في الكتاب شيئا لم نثبته فيه تقصيرا واهمالا بل أحصينا فيه كل شيء أو جعلناه تبيانا لكل شيء . فإذا أريد بالكتاب العلم الإلهي أو اللوح المحفوظ فالاستغراق على ظاهره . وإذا أريد به القرآن فالمراد بقوله « مِنْ شَيْءٍ » - الدال على العموم - الشيء الذي هو من موضوع الدين الذي يرسل به الرسل وينزل به الكتب وهو الهداية ، لان العموم في كل شيء بحسبه . أي ما تركنا في الكتاب شيئا ما من ضروب الهداية التي نرسل الرسل لأجلها الا وقد بيناه فيه ، وهي أصول الدين وقواعده وأحكامه وحكمها والارشاد إلى استعمال القوى البدنية والعقلية في الاستفادة من تسخير اللّه كل شيء للانسان ومراعاة سننه تعالى في خلقه التي يتم بها الكمال المدني والعقلي ، فالقرآن قد بين ذلك كله بالنص أو الفحوى ومنه ما أرشد اليه هنا من علم الحيوان ، الذي يهدي إلى كمال المعرفة والايمان . وقد بينا وجه اشتمال الكتاب على جميع أمر الدين في تفسير ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) من هذا الجزء وتفسير ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) من تفسير الجزء السادس . وتفسير ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) من تفسير الجزء الخامس ، فليرجع إليها من شاء . ومن الناس من قال إن القرآن قد حوى علوم الأكوان كلها ، وان الشيخ محيي الدين ابن العربي وقع عن حماره فرضت رجله فلم يأذن للناس بحمله الا بعد أن استخرج حادثة وقوعه ورض رجله من سورة الفاتحة . وهذا القول لم يقل به أحد من الصحابة ولا علماء التابعين ولا غيرهم من علماء السلف الصالحين ، ولا يقبله أحد من الناس الا من يرون أن كل ما كتبه الميتون في كتبهم حق ، وان كان لا يقبله عقل ، ولا يهدي اليه نقل ، ولا تدل عليه اللغة . بل قال أئمة السلف ان القرآن لا يشتمل على جميع فروع أحكام العبادات الضرورية بدلالة النص ولا الفحوى ، وانما أثبت وجوب اتباع الرسول فصار دالا على كل ما ثبت في السنة وأثبت قواعد القياس الصحيح وقواعد أخرى فصار مشتملا على جميع فروعها وجزئياتها ، ولا يخرج شيء من الدين عنها . وان قبول الناس للخرافة المروية عن ابن العربي هي التي جرأت مثل مسيح الهند أحمد القادياني على ذلك التفسير الذي فسر به الفاتحة وزعم أنه معجزته الدالة على كونه هو المسيح